مواقف خالدة للشباب


في تاريخ البشرية مواقف شبابية خالدة، تركت بصماتها على وجه التاريخ:

1ـ نبأ ابنَي آدم:

تذكَّرْ قصة ابني آدم، حيث كان طرفاها من الشباب، بل ربما كانا أول شابَّين عرفتهما البشرية على وجه الأرض، حيث اختار أحدهما (هابيل) موقف اليقين والرضا والخير والفضيلة، واختار الآخر (قابيل) موقف الطمع والجشع، والحقد والفساد.

فماذا قال الله تعالى عن هابيل حين ردَّ على تهديد أخيه له بالقتل؟ قال:

(إنما يتقبّلُ اللهُ من المتقينَ * لئِن بَسَطَتَ إليَّ يدكَ لتقتُلني ما أنا بباسطٍ يديَ إليكَ لأقتُلك إني أخافُ الله ربَّ العالمين) [المائدة:27ـ 28].

 

2ـ اركب معنا:

وبالمقابل.. تذكر قصة ذلك الشاب الرافض للنصيحة الأبوية الخالصة، رغم استغاثة أبيه له اللحاق بالركب المؤمن مع الناجين في السفينة! إنه ابن سيدنا نوح عليه السلام، الذي فضَّل أن يكون في زمرة الكافرين الهالكين، قال تعالى:

(ونادى نوحٌ ابنهُ وكان في معزلٍ يا بُني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين * قال سآوي إلى جبلٍ يعصمُني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمرِ الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين) [هود:42ـ 43].

3ـ افعل ما تؤمر:

وهذه صورة الشاب البار المؤمن المجسَّدة في شخص سيدنا إسماعيل ابن سيدنا إبراهيم عليه السلام، وهو يجتاز أقسى امتحان قد يتعرَّض له البشر، بالإذعان لتنفيذ رؤية أبيه بالذبح طاعةً لأبيه، وامتثالاً لأمر ربه، قال تعالى:

(قال يا أبتِ افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) [الصافات:102].

4ـ الشابُّ القويُّ العفيفُ:

ومن الصور المؤثرة صورة ذلك الشاب القوي ـ موسى عليه السلام ـ كيف تصرف مع النساء العفيفات، قال تعالى:

(ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يُصدر الرعاء وأبونا شيخٌ كبيرٌ * فسقى لهما ثم تولَّى إلى الظل فقال ربِّ إني لما أنزلت إليّ من خيرٍ فقيرٌ) [القصص:23ـ 24].

رأى موسى عليه السلام فتاتين ترعيان الغنم، وقد وقفتا عند أغنامهما من بعيد تُبعدان الغنم عن الماء.. والرجال يتزاحمون بأغنامهم عليه، تبتعدان عن الماء لا تدخلان وسط الرجال، فسقى لهما الغنم، وجلس في الظل يدعو الله أنْ يرزقه وينجِّيه...

فهذا موسى الذي كان طريداً ملاحَقاً، لا مأوى له ولا زوجة ولا عمل، لم يغازل الفتاتين، ولم تحدّثه نفسه باستغلال هذا الموقف؛ بل قام بسقاية الغنم عفيفاً مخلصاً.. فأكرمه الله بزوجة هي ابنة نبي، وبعمل يعمله.. ويجد ـ فوق هذا وذاك ـ السكن والعون عند شعيب عليه السلام، كلّ ذلك من خلال موقف واحد!!.

5ـ شباب.. وشباب:

لا تحسبن أنَّ الرفاهية تصلِح الأمم، فقد فتح الشباب من صحابة محمد (ص) ثلثي المسكون من الكرة الأرضية، ولا يملك أحدهم إلا ثوباً واحداً، وما في جعبتهم سوى بضع تمرات.

  • دخل الصحابةُ إيوانَ كسرى، والواحد منهم لم يشبع من خبز الشعير!!.
  • وتولّى أحد ملوك الأندلس بجيش عرمرم طوَّق به الأندلس، فلما مات تولَّى ابنه من بعده.. وكان هذا الابن مترفاً إلى حدِّ السرف؛ يقول: كان في بيتي اثنتان وسبعون جارية وأربع نساء.. ويستمع للغناء صباح مساء!..

فلما اجتاح ملكُ الفرنجة الأندلسَ، قُيِّد هذا الملك الشاب في السجن.. أتتْ أمه تزوره، فبكى عند باب السجن، فقالت: ابكِ مثل النساء مُلْكاً مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال!!.

  • ويأتي جعفر الطيار من الحبشة بعد هجرة سبع سنوات، فيصل إلى المدينة؛ فهل يجازيه رسول الله (ص) على هجرته في الله بجائزة مالية؟ أم يعطيه منصباً؟.

لا والله.. بل أرسله مجاهداً في سبيل الله في غزوة مؤتة، فقُطعت يده اليمنى، فأخذ الراية باليسرى.. فقُطعت اليسرى، فضمَّ الرايةَ إلى صدره.. فكسرت الرماح في صدره، فاستشهد([1]).

فقال النبي (ص) بعد لحظات من استشهاده:

«والذي نفسي بيده، لقد رأيتُ جعفر بن أبي طالب يطير في الجنة بجناحين أبدلهما الله مكان يديه»([2]).

6ـ التنافس على الجهاد:

  • كان صغار شباب الصحابة يتبارون أمام رسول الله (ص) حتى يسمح لهم بالقتال في المعارك، وكان يجيز مَنْ بلغ منهم (15) عاماً فأكثر.
  • ويولّي رسول الله (ص) أسامة بن زيد قيادة جيش فيه كبار الصحابة، وأسامةُ لم يبلغ يومئذٍ سبعة عشر عاماً، حتى تكلّم أناسٌ في إمارته، فتحدَّث المصطفى (ص)، وأخبرهم أنه خليق بالإمارة.
  • ومحمد بن القاسم يفتح السند، ويجابه صناديد الهند، وهو لا يزال في شرخ الشباب، وميعة الصبا، ولم يكن قد جاوز آنذاك الثامنة عشرة من عمره.
  • واشترك شباب الصحابة في معارك الفتوح كلها، وكان الحسن والحسين سبطا النبي (ص) وقرَّتا عينه في مقدمة الصفوف التي فتحت أذربيجان وكرجستان التي تقع في الاتحاد السوفييتي (سابقاً) (جمهورية أذربيجان، وجمهورية جورجيا والداغستان).

وكان ضمن هؤلاء الشباب: عبدالله بن عباس، وقُثم بن العباس رضي الله عنهم أجمعين.

  • وولَّى عثمان رضي الله عنه عبدَ الله بن عامر بن كُرَيز ـ وهو لم يبلغ الخامسة والعشرين ـ البصرةَ، فقام وغزا كل الأراضي التي انتفضت، ابتداءً من حدود العراق حتى شمال أفغانستان، ووسَّع الرقعة حتى وصل إلى حدود التركستان الشرقية المعروفة اليوم بسينكانغ والتي تحتلها الصين..

ويوجد في تلك المنطقة قبور (1500) من الصحابة استشهدوا هناك في أيام عثمان رضي الله عنه.

ويا له من شاب فتح تلك الفتوحات الرائعة، وهو لم يبلغ بعدُ الخامسةَ والعشرين!!.

  • وفي معركة بدر يوم الفرقان، وأولى معارك الإسلام، وقف شابان صغيران من الأوس (الأنصار)، وهما: معاذ ومعوَّذ ابنا عفراء، يسألان أحد المهاجرين من الصحابة (وهو عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه): دلَّنا يا عمّ على أبي جهل!.. فلما دلَّهم عليه لم يصلا إليه وقد ضربه معاذ بن عمرو بن الجموح ضربةً لم تُجهز عليه، فهجما عليه فأثبتاه وبه رَمَق.. وكرَّ عكرمةُ بن أبي جهل فقتل معوَّذاً، فكان أحد شهداء بدر الأربعة عشر، الذين سقطوا في المعركة يومئذٍ.
  • وسمع الشابُّ حنظلة ـ وهو في ليلة زفافه ـ نداء الجهاد، فخرج مسرعاً ملبياً نداء الجنة، فقاتل حنظلة حتى نال الشهادة.. وإذا النبي (ص) يرى الملائكة تغسِّل حنظلة، فيُخبرُ أصحابه قائلاً:

«إنَّ صاحبكم (حنظلة) لتغسّلُه الملائكة، فاسألوا أهله: ما شأنه؟».

فسألوا زوجته العروس، فقالت: خرج مسرعاً حين سمع النداء بالجهاد وهو جُنُب.

فقال الرسول (ص): «لذلك غسَّلتهُ الملائكة»([3])!!.

والغريب حقّاً أن الشاب المؤمن حنظلة كان ابن الرجل الفاسق أبي عامر الراهب الذي بنى مسجد الضرار، وآذى النبيَّ (ص) وصحبه، وقد بلغ حدّ تضحيته أنه أراد قتل أبيه لولا أن نهاه النبي (ص) عن ذلك.

كذلك فعل عبد الله بن عبد الله بن أُبيٍّ ابن سلول حين عرض على النبي (ص) أن يقتل أباه عبدالله بن أُبيٍّ رأس النفاق.

وكلاهما كان رغم ذلك بارّاً بأبيه، ولكن حرصهما على الإسلام والإيمان دفعهما لذلك، خوفاً أن يأمر رسول الله (ص) بقتل الأبوين المنافقين، فتستعرُ في نفس أحدهما الغَيْرَة العربيةُ القبلية، فيقتل بذلك مؤمناً.. فيدخل النار.. ولكن المصطفى (ص) أمرهما ببرّ والديهما.

  • وفي يوم أُحُد.. يتقدم الأطفال دون الخامسة عشرة يريدون أن يشتركوا في الجهاد، ومنهم: عبدالله بن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، وزيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وأبو سعيد الخدري، ورافع بن خديج، وسمرة بن جندب.. ويردُّهم رسول الله (ص) جميعاً ما عدا رافع بن خديج لمهارته في الرماية منذ نعومة أظفاره.

ويحنق آنذاك سَمْرَةُ بنُ جندب: كيف يأذن رسولُ الله (ص) لرافع بن خديج ويتركه هو، وهو يصرع رافعاً حين يتباريان؟ وبلغَ الأمرُ إلى النبي (ص) فأمر رافعاً وسَمُرة أن يصطرعا أمامه، فتصارعا وكانت الغلبة لسمرة، فأجاز حينذاك سمرة!!.

وانطلق الشابُّ الصغير الذي لم يبلغ الخامسة عشرة فرحاً سعيداً مزهوّاً، لأن النبي (ص) سمح له بالقتال، وسعدت بذلك الخبر أمُّهُ سعادةً عظمى، فها هو ابنها قد أصبح يُعدُّ في الرجال، ويدخل المعركة مع الصناديد والأبطال([4]).

7ـ من مواقف الثبات:

تذكَّر مواقف العزيمة والثبات عند شباب دخل الإيمان في قلوبهم، فلم يأبهوا على أي جنْبٍ ماتوا في سبيل الله...

فهذا عبد الله بن حذافة السهمي.. دخل على ملك الروم، فرأى أجسام المؤمنين وهي تغلي في القدور!!.

فقال الملك: تَعُودُ عن دينك، ولك نصف مُلكي؟!..

قال: والذي لا إله إلا هو.. لو أعطيتني ملكك وملك آبائك وأجدادك على أن أعود طرفة عين ما فعلتُ!.

  • وها هو حبيب بن زيد يأتي إلى مسيلمة الكذّاب، فيطلب منه مسيلمة أن يعود عن دينه، فيأبى.. فيقطع منه قطعة من لحمه وتقع على الأرض فيأبى.. فيقطع قطعة ثانية فيأبى، وثالثة حتى يقطِّع جسمه كله..!!.
  • وكلنا يذكر خُبيب بن عدي وهو يُرفع على المشنقة، ويقول له أبو سفيان: أتريد يا خُبيب أن محمداً مكانك؟..

قال: والذي نفسي بيده ما أريد أني في أهلي وفي مالي وأن محمداً يصاب بشوكة من الشوك، ويقف يردد البيتين الشهيرين:

ولسـتُ أبالي حين أُقتَلُ مُســـلماً              على أيِّ جنْبٍ كانَ في الله مصرعي

وذلك فـــي ذات الإلهِ وإن يشــأ              يُبـــاركْ على أشـــلاءِ شـــلْوٍ مُمَزَّعِ

 


([1]) د. عائض القرني، للشباب خاصة، بتصرف.

([2])رواه الحاكم.

([3]) أخرجه ابن حبان والبيهقي.

([4]) أ.د.محمد علي البار، المخدرات: الخطر الداهم، ص322ـ 336، بتصرف.