أهلا وسهلا بك إلى منتدى شباب مستقبل سورية.
النتائج 1 إلى 2 من 2
  1. #1
    مشرف إداري
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    المشاركات
    10,667
    الجنس
    ذكر
    الجنسية
    سوريا
    المحافظة
    سوريا كلها محافظتي
    المستوى الدراسي
    بكالوريوس
    التخصص العلمي
    المهاجر من هجر ما نهى الله عنه


    افتراضي التوازن بين الفردية والجماعية في نظام الإسلام

    التوازن بين الفردية والجماعية في نظام الإسلام

    العلامة الشيخ: يوسف القرضاوي
    التوازن من أبرز الخصائص التي تميز بها الإسلام عن الأديان والمذاهب والفلسفات قديمها وحديثها، وإليه يشير قوله تعالى:[وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا] {البقرة:143}.
    ومن دلائل ذلك النظام الإسلامي: التقاء الفردية والجماعية في صورة متزنة رائعة، تتوازن فيها حرية الفرد ومصلحة الجماعة، وتتكافأ فيها الحقوق والواجبات، وتتوزع فيها المغانم والتبعات بالقسطاس المستقيم.
    لقد تخبطت الفلسفات والمذاهب من قديم، في قضية الفرد والمجتمع والعلاقة بينهما: هل الفرد هو الأصل، والمجتمع طارئ مفروض عليه، لأن المجتمع إنما يتكون من الأفراد؟ أم المجتمع هو الأساس والفرد نافلة ؛ لأن الفرد بدون المجتمع مادة غفل ـ خام ـ والمجتمع هو الذي يشكلها ويعطيها صورتها.
    فالمجتمع هو الذي يورث الفرد ثقافته و آدابه وعاداته وغير ذلك؟.
    من الناس من جنح إلى هذا، ومنهم من مال إلى ذاك، واحتد الخلاف بين الفلاسفة والمشرعين والاجتماعيين، والاقتصاديين والسياسيين، في هذه القضية، فلم يصلوا إلى نتيجة.
    كان (أرسطو) يؤمن بفردية الإنسان، ويحبذ النظام الذي يقوم على الفردية.
    وكان أستاذه أفلاطون يؤمن بالجماعية ـ الاشتراكية ـ كما يتضح ذلك في كتابه (الجمهورية).
    وبهذا لم تستطيع الفلسفة الإغريقية ـ أشهر الفلسفات القديمة ـ أن تحل هذه العقدة، وأن تخرج الناس من هذه الحيرة، كشأن الفلسفة دائماً في كل القضايا الكبيرة، تعطي الرأي وضده، ولا يكاد أقطابها يتفقون على حقيقة، حتى قال أساتذتها: الفلسفة لا رأي لها!!
    وفي فارس ظهر مذهبان متناقضان: أحدهما: فردي يدعو إلى التقشف والزهد، والامتناع عن الزواج، ليعجل الإنسان بفناء العالم، الذي يعج بالشرور والآلام، وهذا هو مذهب (ماني) ويمثل أقصى الفردية، وقام في مقابله مذهب آخر يمثل أقصى (الجماعية) وهو مذهب (مزدك) الذي دعا إلى شيوعية الأموال والنساء وتبعه كثير من الغوغاء، الذين عاثوا في الأرض فساداً، وضجت منهم البلاد والعباد.
    وقد جاءت الأديان السماوية لتقيم التوازن في الحياة، والقسط بين الناس، كما قرر ذلك القرآن الكريم. [لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسْطِ] {الحديد:25}.
    ولكن أتباعها سرعان ما حرفوها، وبدلوا كلمات الله، ففقدت بذلك وظيفتها في الحياة، حين فقدت مزيتها الأولى، وهي: ربانية المصدر.
    لهذا لم تقدم الأديان السابقة قبل الإسلام حلاً لهذه المشكلة، فقد كان اليهود الذين تفرقوا في الأرض يؤيدون الفردية، بتفكيرهم وسلوكهم القائم على الأنانية:[وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ] {النساء:161}.كما سجل عليهم القرآن الكريم.
    وجاءت المسيحية أيضاً تهتم بنجاة الفرد قبل كل شيء، تاركة شأن المجتمع لقيصر، أو على الأقل، هذا ما يفهم من ظاهر ما يحكيه الإنجيل عن المسيح، وإذا طوينا كتاب التاريخ، وتأملنا صفحات الواقع فماذا نرى؟.
    إن عالمنا اليوم يقوم فيه صراع ضخم بين المذهب الفردي، والمذهب الجماعي، فالرأسمالية تقوم على تقديس الفردية، واعتبار الفرد هو المحور الأساسي، فهي تدلله بإعطاء الحقوق الكثيرة، التي تكاد تكون مطلقة، فله حرية التملك، وحرية القول، وحرية التصرف، وحرية التمتع، ولو أدت هذه الحريات إلى إضرار نفسه، وإضرار غيره، ما دام يستعمل حقه في (الحرية الشخصية).
    فهو يتملك المال بالاحتكار، و الحيل والربا، وينفقه في اللهو والخمر والفجور، ويمسكه عن الفقراء والمساكين والمعوزين، ولا سلطان لأحد عليه، لأنه (هو حر).
    والمذاهب الاشتراكية ـ و بخاصة بالمتطرفة منها كالماركسية ـ تقوم على الحط من قيمة الفرد والتقليل من حقوقه، والإكثار من واجباته، واعتبار المجتمع هو الغاية، وهو الأصل.
    وما الأفراد إلا أجزاء أو تروس صغيرة في تلك (الآلة) الجبارة، التي هي المجتمع، و المجتمع في الحقيقة هو الدولة، والدولة في الحقيقة هي الحزب الحاكم، وإن شئت قلت: هي اللجنة العليا للحزب، وربما كانت هي زعيم الحزب فحسب، هي الدكتاتور!!
    إن الفرد ليس له حق التملك إلا في بعض الأمتعة والمنقولات، ولس له حق المعارضة، ولا حق التوجيه لسياسة بلده وأمته، وإذا حدثته نفسه بالنقد العلني أو الخفي فإن السجون والمنافي وحبال المشانق له بالمرصاد!
    ذلك هو شأن فلسفات البشر ومذاهب البشر، والديانات التي حرفها البشر، وموقفها من الفردية والجماعية، فماذا كان موقف الإسلام؟
    لقد كان موقفه فريداً حقاً، لم يمل مع هؤلاء ولا هؤلاء، ولم يتطرف إلى اليمين ولا إلى اليسار.
    إن شارع هذا الإسلام هو خالق هذا الإنسان، فمن المحال أني شرع هذا الخالق من الأحكام والنظم ما يعطل فطرة الإنسان أو يصادمها، وقد خلقه سبحانه على طبيعة مزدوجة: فردية واجتماعية في آن واحد.
    فالفردية جزء أصيل في كيانه، ولهذا يحب ذاته. ويميل إلى إثباتها وإبرازها، ويرغب في الاستقلال بشؤونه الخاصة.
    ومع هذا نرى فيه نزعة فطرية إلى الاجتماع بغيره، ولهذا عد السجن الانفرادي عقوبة قاسية للإنسان، ولو كان يتمتع داخله بما لذ وطاب من الطعام والشراب.
    والنظام الصالح هو الذي يراعي هذين الجانبين: الفردية والجماعية، ولا يطغى أحدهما على الآخر. فلا عجب أن جاء الإسلام ـ وهو دين الفطرة ـ نظاماً وسطاً عدلاً، لا يجور على الفرد لحساب المجتمع، ولا يحيف على المجتمع من أجل الفرد.
    لا يدلل الفرد بكثرة الحقوق التي تمنح له، ولا يرهقه بكثرة الواجبات التي تلقى عليه. وإنما يكلفه من الواجبات في حدود وسعه، دون حرج ولا اعنات، ويقرر له من الحقوق ما يكافئ واجباته، ويلبي حاجته، ويحفظ كرامته، و يصون إنسانيته:
    1 ـ من هنا قرر الإسلام حرمة الدم فحفظ للفرد ـ حق الحياة ـ وأعلن القرآن الكريم:[ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا] {المائدة:32}.
    وأوجبت الشريعة في قتل العمد: القصاص، إلا أن يعفوا أولياء المقتول، أو يقبلوا بدلاً، وأوجبت في قتل الخطأ الدية والكفارة.
    2 ـ وقرر حرمة العرض، فصان للفرد ـ حق الكرامة ـ فلا يجوز أن يهان في حضرته، أو يؤذى في غيبته، بأي كلمة أو إشارة تسوؤه:[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ] {الحجرات:11}. [وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ] {الحجرات:12}.
    3 ـ وقرر: حرمة المال فصان للفرد حق التملك، فلا يحل أخذ ماله إلا بطيب نفس منه، ولا يجوز للدولة، ولا لفرد آخر، نهب ماله وأخذه بغير حق. قال النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) ـ من خطبة الوداع ـ.
    4 ـ وقرر: حرمة البيت، فصان بذلك للفرد ـ حق الاستقلال الشخصي ـ فلا يجوز لأحد أن يتجسس عليه، أو يقتحم عليه بيته بغير إذنه، قال تعالى:[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا] {النور:27}. وقال:[ وَلَا تَجَسَّسُوا] {الحجرات:12}.
    5 ـ وقرر للفرد: حرية الاعتقاد، فلا يجوز أن يكره على ترك دينه، واعتناق دين آخر:[لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ] {البقرة:256}.[ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ] {يونس:99}.
    6 ـ وقرر للفرد: حرية النقد، فمن حق كل فرد أن يعارض ما يراه من عوج، وما يلاحظه من تقصير، بل من واجبه ذلك إذا لم يقم غيره به، وهو ما سماه الإسلام (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
    7 ـ وقرر: حرية الرأي والفكر، فمن حق كل إنسان، بل من واجبه ـ أن يفكر وينظر، فقد أمر الإسلام الناس أن يتفكروا وما دام التفكير حقاً ـ أو واجباً ـ لكل بشر، فمن حق كل مفكر أن يخطئ، ولا لوم عليه في ذلك إذا كان خطؤه بعد تحر واجتهاد وطلب للحق.
    وأكثر من ذلك أن الإسلام لا يحرم المجتهد من التوبة والأجر... وإن أخطأ إصابة الحقيقة، ففي الحديث قال صلى الله عليه وسلم: (المجتهد إذا أخطأ فله أجر، و إن أصاب فله أجران)متفق عليه.
    وليس في الدنيا دين ولا نظام يشجع على استعمال الفكر ويرحب بنتائجه ـ أياً كانت ـ مثل هذا الإسلام، الذي يثيب على الاجتهاد الخطأ.
    ثم تتعايش هذه الأفكار والاجتهادات المختلفة جنباً إلى جنب، دون ضيق ولا تبرم، كما رأينا ذلك في عهد الصحابة ومن تبعهم بإحسان.
    وفي ظل هذه الحرية الفكرية ظهرت المدارس والمشارب المختلفة: في الفقه والتفسير والكلام وغيرها، من غير نكير، إلا ما توجبه المناقشة العلمية.
    8 ـ وقرر الإسلام: المسؤولية الفردية وأكدها تأكيداً بليغاً في كتابه فقال تعالى:[كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ] {المدَّثر:38}.[تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ] {البقرة:134}.[وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى] {فاطر:18}.
    وهذه الآيات تطبق على الإنسان في الدنيا وفي الآخرة، فهو في الحياتين لا يحمل وزر غيره.
    ومع هذه الحقوق والحريات التي منحها الإسلام للفرد، فقد فرض عليه للمجتمع واجبات تكافئها، وقيَّد هذه الحقوق والحريات الفردية، بأن تكون في حدود مصلحة الجماعة... وألا يكون فيها مضرة للغير. وليس للفرد أن يستخدم حقه فيما يؤذي الجماعة ويضرها، بل ولا فيما يؤذي نفسه و يضرها.
    إذ لا ضرر ولا ضرار في الإسلام.
    أي: لا يضر الإنسان نفسه ولا يضار غيره، كما أن حق الفرد إذا تعارض مع حقوق الجماعة. فإن حق الجماعة أولى بالتقديم:
    أ ـ فالحياة التي صانها الإسلام للفرد، إذا اقتضى المجتمع المسلم بذلك لحمايته، وجب عليه أن يقدمها راضي النفس، قرير العين، معتقداً أن الموت هنا هو عين الحياة.
    وكذلك إذا اعتدى على حق نفس أخرى كقاتل العمد، أو على حق المجتمع في الأمن والاستقرار، كقاطع الطريق، أو خرج على دينه وفارق الجماعة كالمرتد، فقدت حياته ما لها من عصمة.
    ب ـ وحق التملك مقيَّد بأن يأخذ المال من حِله، وينفقه في محله، ولا يبخل به إذا طلبته الجماعة، فملكية الفرد للمال ليست مطلقة كما ينادي أنصار (المذهب الحر) بل هي مقيدة بحدود الله وحقوق المجتمع، حتى إن انتزاع هذا الملك من صاحبه يجوز للمصلحة العامة، على أن يعوض عنه ثمن المثل.
    ذلك أن المال مال الله، وهو مستخلف فيه، وبعبارة أخرى: هو وكيل الجماعة في رعايته وتثميره وإنفاقه، فإذا أساء التصرف في المال، كان من حق الجماعة أن تغل يده، وتحجر عليه، كما أن للجماعة عليه حقوقاً في هذا المال، بعضها دوري ثابت كالزكاة بأنواعها، وبعضها غير دوري كما في الحديث: (إن في المال حقاً سوى الزكاة) ـ رواه الترمذي ـ.
    ج ـ والحريات والحقوق كلها مقيَّدة برعاية أخلاق المجتمع وعقائده ومثله العليا، فليس معنى حرية الاعتقاد أو الرأي، إباحة الطعن على الإسلام وأهله، وإذاعة الكفر بالله ورسوله وكتابه، والتشكيك في القيم العليا، ونشر الخلاعة والفجور.
    فإن حرية الإفساد لا يقرها عقل ولا شرع.
    د ـ ومع المسؤولية الفردية التي أكدها الإسلام، نراه قد أكد كذلك مسؤولية الفرد عن الجماعة. فكل فرد في المجتمع المسلم راع في مجال من المجالات، كما في الحديث الصحيح: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، والخادم راع في مال مخدومه، وكل على ثغرة من ثغر الإسلام، فلا يجوز له إهمالها).
    وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تقتضي مسؤولية المسلم عن المجتمع، وتوجب عليه مراقبة أحواله، وتقويم عوجه إن اعوج بكل ما استطاع: بيده أولاً، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك اضعف الإيمان.
    إن النصيحة لكافة المسلمين خاصتهم وعامتهم ركن ركين من الإسلام، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.
    وليس لمسلم أن يعتزل الحياة والناس ويقول: نفسي نفسي، ويدع نار الفساد تلتهم الأخضر واليابس من حوله، فإن هذه النار إذا تركت وشأنها، لم تلبث أن تحرقه هو، وتحرق كل ما يحرص عليه، ولهذا يقول القرآن الكريم: [وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ] {الأنفال:25}. وفي الحديث: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده).
    هـ ـ ومن معان الجماعة في الإسلام ما عرف في الشريعة باسم (فروض الكفاية) فكل علم أو صناعة أو حرفة أو نظام أو مؤسسة، تحتاج إليها الجماعة المسلمة في دينها أو دنياها، فتحقيقها فرض كفاية على المسلمين، على معنى أنه إذا قام بها عدد كافٍ فقد ارتفع الحرج وسقط الإثم عن باقي الجماعة، وإلا أثمت الجماعة كلها، واستحقت عقوبة الله.
    و ـ والمسلمون مسؤولون مسؤولية تضامنية عن تنفيذ شريعة الإسلام، وإقامة حدوده، و من هنا كان خطاب التكليف في القرآن إلى الجماعة. وتكرر قوله تعالى:[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا]. بهذه الصيغة الجماعية ليؤكد وجوب التكافل بين الجماعة، في تنفيذ ما أمر الله به، و اجتناب ما نهى عنه، خوطبت الجماعة كلها بمثابة قوله تعالى:[وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا] {المائدة:38} .[الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ] {النور:2}.
    وإن كان الذي يقوم على هذه الحدود هو الدولة والحكام، لأن الجماعة كلها مسؤولة عن إقامتها، مؤاخذة بعقاب الله إذا عطلتها.
    ز ـ حتى العبادة التي هي صلة بين الفرد وربه، أبى الإسلام إلا أن يصفي عليها روحاً جماعية، وصبغة جماعية، فدعا إلى صلاة الجماعة ورغب فيها، حتى جعلها أفضل من صلاة المسلم وحده، بسبع وعشرين درجة، وكلما كان عدد الجماعة أكبر، كان ثواب الله عليها أعظم.
    بل هم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحرق على قوم بيوتهم، لتخلفهم عن الجماعة في المسجد، ولم يرخص لأعمى يسمع الأذان، أن يصلي في بيته، ويترك صلاة الجماعة. وقال: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف). كراهية منه للشذوذ والانفراد ولو في المظهر.
    وإذا صلى المسلم منفرداً في خلوة لم تزل الجماعة في وجدانه وضميره، فهو إذا ناجى الله ناجاه بصيغة الجمع، وإذا دعاه دعاه باسم الجميع:[إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ] {الفاتحة:6}.
    كما شرع صلاة الجمعة في كل أسبوع مرة، وصلاة العيد في كل عام مرتين، وفرض الحج في العمرة مرة على كل مسلم. وكلها شعائر لابد أن تؤدى في صورة جماعية.
    ح ـ وفي مجال الآداب والتقاليد، حث الإسلام على جملة من الآداب الاجتماعية، أراد بها أن يخرج المسلم من الفردية والانعزالية، التي قد تروق للانطوائيين من الناس، فتحية الإسلام، والمصافحة عند اللقاء، وتشميت العاطس، والتزاور والتهادي، وعيادة المريض، وتعزية المصاب، وصلة الأرحام، وإحسان الجوار، وإكرام الضيف، وحسن الصحبة في السفر والحضر، والبر باليتامى والمساكين وابن السبيل، وغير ذلك من الآداب والواجبات هي التي جعلت الشعور الجماعي، والتفكير الجماعي، والسلوك جزءاً لا يتجزأ من حياة المسلم.
    ط ـ وفي مجال الأخلاق، حث الإسلام على المحبة والإخاء والإيثار، وأمر بالتعاون على البر والتقوى، ودعا إلى توحيد الكلمة وجمع الصف، كما دعا إلى التراحم والتسامح، وإلى البذل والتضحية، واحترام النظام، و الطاعة لأولي الأمر في المعروف.
    وبجوار ذلك حذر من الحسد والبغضاء، والحقد، والفرقة، و التنازع، وسائر الرذائل التي تنشأ من الأنانية والغلو في حب الذات وحب الشهوات.
    وبهذا كله أقام الإسلام ـ بالتشريع والتربية ـ الموازين القسط بين الفرد والمجتمع، أو بين الفرد والجماعية في حياة الإنسان.
    وبهذا أيضاً يتبيَّن للباحث المنصف: أن من الظلم للإسلام أن يعد في المذاهب الفردية، أو في المذاهب الجماعية (الاشتراكية)، فهو في الواقع نظام متفرد، فقد اعترف بالفرد وبالمجتمع كليهما، وقرر له حقوقه بالعدل، وألزمه واجبات تقابلها بالمعروف، وهذا هو القسط وإن شئت قلت: هذا هو التوازن الذي اختص به هذا الإسلام.
    وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
    المصدر: مجلة الأزهر السنة 48، رمضان 1396هـ، جزء 7.

  2. #2
    شمس ساطعة
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    25,928
    الجنس
    ذكر
    الجنسية
    سوريا
    المحافظة
    حلب
    المستوى الدراسي
    بكالوريوس
    التخصص العلمي
    هندسة الالكتروميكانيك

    افتراضي

    ان التوازن والشمولية من اهم ممزيات النظام الاسلامي
    فهو وازن بين الروح والجسد والمادة والروح
    وبين الفرد والجماعة
    فكان يشعر الفرد بانتمائه في مجتمعه وكذلك يشعره بتميزيه فيه
    بارك الله فيكم وبمنقولكم الطيب وجزيتم الجنة

 

 

بعض الإعلانات تحتوي على مخالفات شرعية، إذا وجدت إعلاناً مخالفاً فأبلغنا

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •